معالي الأمين العام يشارك في مؤتمر الخارجية والمنظمة حول الوساطة: تجارب وآفاق
9 يونيو، 2022

شارك معالي الأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، في أعمال المؤتمر الرابع حول الوساطة “تجارب وآفاق” الذي تستضيفه وزارة الخارجية بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، في مدينة جدة خلال يومي 6-7 من شهر ذي القعدة لعام 1443هـ الموافق 5-6 يونيو ولعام 2022م. وتحدث معاليه في الجلسة الثالثة من جلسات المؤتمر التي ترأسها السفير طارق بخيت، الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية والثقافية والاجتماعية بمنظمة التعاون الإسلامي، والمبعوث الخاص للمنظمة إلى أفغانستان.

وفي مستهلّ كلمته التي ألقاها خلال الجلسة الحوارية الثالثة والتي انعقدت في اليوم الثاني من المؤتمر تحت عنوان “الوساطة من منظور إنساني في ظلّ الأزمات”، شكر معاليه دولة المقر، المملكة العربية السعودية، لاستضافتها هذا المؤتمر الآنِيّ المهم في هذه المرحلة العصيبة التي تمُرّ بها البشرية، مؤمِّلاً في أن يتمكن المؤتمر من “الوصول إلى نتائج عمليَّة وتوصيات واقعيَّةٍ قادرة على الحيلولة دون رؤية مزيدٍ من الآلاف المؤلَّفة بل ملايين من البشر وهم ينزحون من ديارهم، ويلجؤون إلى العيش في المخيمات التي تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة الإنسانيَّة، بل إنَّ من شأن العمل بتلك النتائج والتوصيات تمكين الآلاف المؤلفة بل ملايين من النازحين واللاجئين من العودة إلى ديارهم بعد أن جارَ عليهم الزمان، وعاشوا رَدحًا في المخيمات والملاجئ.

كما أوضح معاليه بأنّ اختيار موضوع الوساطة من منظور إنسانيِّ في ظل الأزمات عنوانًا لهذه الجلسة، يعتبر ذلك تأكيدًا وتقريرًا على تلك الأهميّة المنُوطة بالجانب الإنسانيّ والذي تسعى الوساطة إلى توظيفه من أجل وضع حدّ نهائيّ للظروف المأساويّة التي يعيش فيها ضحايا الصراعات والنزاعات من المغلوب على أمرهم من الولدان والنساء والعجَزة. ومن هنا، تأتي أهميّة الاهتمام الفكري والعناية العلميّة بإبراز ذلك البُعد الإنسانيّ المُرتجى تحقيقُه من الوساطة الناجحة التي يَرنُو إليها عالَمُنا المُعاصر، وتحِنّ إليها الضمائر الحيّة، إنَّها الوساطة التي تعيد الفرح إلى شِفاه المحرومين، وترفع القلَق عن الخائفين، وتُعيد الأمن والأمان إلى المَفْجُوعين. ثم تحدث معاليه عن الأصول الشرعية المؤصِّلة لمصطلح الوساطة وأُسُسها، موضّحًا بأن “مصطلح الوساطة يعني في أبسط معانيه قيام جهة محايدة بمهمة الصلح والإصلاح بين الأطراف المتنازعة بُغية إنهاء حالة الصراع والنزاع القائمة بينها، وأنّ شرعنا الحنيف اعتبرها من أعظم القرُبات، وأفضل الأعمال وأحبِّها إلى الله جلَّ جلاله. وقد تضافرت آيات كريمات تؤصّل لهذه القُربة العظيمة، منها قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال، قل الأنفالُ لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذاتَ بينِكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} ، {إنما المؤمنون إخوةٌ فأصلِحوا بين أخوَيكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون} ، {وإن طائفتان من المؤمنين اقتَتلوا فأصلِحوا بينهما، فإن بَغَت إحداهما على الأخرى، فقاتِلوا التي تَبغِي حتى تفِيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ، {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ، {وإن خِفتم شقاقَ بينهما، فابعثوا حَكَمًا من أهله، وحَكَمًا من أهلها إن يريدَا إصلاحًا يُوفِّق الله بينهما، إن الله كان عليمًا خبيرًا} ، {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}. وتنضاف إلى هذه النصوص القرآنية الكريمة أحاديث نبويَّة شريفة مفسِّرة ومقرِّرة ومؤكِّدة لأهمية هذه القُربة، ومكانتها عند الله جلَّ شأنه. ومن أهم تلك الأحاديث الجامعة ذلك الذي رواه أبو الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذاتِ البَيْن، فإنَّ فساد ذاتِ البَيْن هي الحالقة” أو كما قال.

ثم أوضح معاليه بأنَّ تأصيل الشرع الحنيف للوساطة لم يكن تأصيلا نظريّا، بل يحدّثنا التاريخ عن نماذج حيّة للوساطة التي أفضت إلى صلح حمى الله به إزهاق الأنفس، وهتك الأعراض، وإبادة الأموال، ويعدُّ صلح الحديبية أعظم نموذج، كما يعدّ ذلك الصلح الذي عقده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أهل القدس، وسلم بموجبه مفاتيح القدس نموذجا آخر للوساطة الناجحة التي حمى الله بها الأنفس والأعراض والأموال. ودعا معاليه في كلمته إلى صيرورة الوساطة فنا مستقلا وتخصصا علميا في الجامعات والمعاهد والكليات، وقال بهذا الصدد: ” إنّ الأمّة الإسلاميّة مدعوّة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى إعداد جيل من النشء كفء يتم تأهيله تأهيلا متكاملا وشاملا في فنّ الوساطة، أو صناعة الوساطة المنبثقة عن استحضار للبعد الإنسانيّ، بحيث يصبح ذلك الجيل متمكنا من أدواتها، ومتشبعا من آلياتها، ومشرفا على آدابها، وضوابطها، فالأمر جَلَل، والمأساة مستمرة، والمعاناة متصاعدة، والحرائق مشتعلة.

وختم معاليه كلمته بالتأكيد على استشعار المجمع مسؤوليته الفكرية المتمثلة في تنظيم العديد من الندوات والمؤتمرات وورش العمل والملتقيات الهادفة إلى تعزيز الوعي بأهمية الوساطة بإبراز البعد الإنسانيّ القارّ فيها، وتسليط الضوء على مكانتها وضرورتها، وصياغة القرارات والتوصيات التي تدعو الشعوب الإسلاميّة إلى تعظيم الجوامع، والالتفاف حول ولاة أمرها، ونبذ العنف والتطرف والتعصب والإرهاب، واستشعار مسؤوليته العلميّة في تصحيح المفاهيم المغلوطة عن قيَم الإسلام ومبادئه وتعاليمه، ونشر ثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش، والحوار البنّاء مع أتباع الأديان في العالم بهدف التعاون بما يحقق الخير للمجتمع الإنساني انطلاقًا من مبدأ الوساطة المُفْضية إلى تحقيق الصلح والإصلاح وإنهاء الأزمات والقلاقِل التي يَرزَح تحتها ملايين من البشر.

 

اقرأ ايضا

آخر الأخبار

اذهب إلى الأعلى