
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
[سورة الفجر: 27–30]
ببالغ الحُزن والأَسى، تلقّى مجمع الفقه الإسلامي الدولي نبأ انتقال فضيلة الشيخ الجليل محمد عبده عمر إلى جوار ربّه، صباح يوم الثلاثاء 10 من شهر رجب 1447هـ الموافق 30 من شهر ديسمبر عام 2025م، بعد عمرٍ مباركٍ ناهز أربعًا وثمانين سنةً، أفناها في خدمة دينه ووطنه وأمته، علمًا وعملًا، وقضاءً ودعوةً وإصلاحًا.
لقد كان فضيلته -رحمه الله- آخر من تشرّفتُ بتوديعه عقِب دورة المجمع الأخيرة السادسة والعشرين في الدوحة خلال العام المنصرم 2025م، وكم غَمَرني السرور بلقائه بعد ما كابد وتحمّل مِن مشاقِّ وصِعاب ليصل إلى الدوحة، وكان فرحي أعظمَ حين أكرمه معالي رئيس المجمع الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد بدرع الوفاء والعرفان المخصَّص للجيل المؤسِّس، ولم أزل يومها أحاول ألّا أصدّق كلماته التي قالها وكأنها وداع أخير: “يا قطب.. لعلّها آخر دورة أشارك فيها معكم”، فسارعتُ بالرد مؤمِّلًا ومتفائلًا بأن المجمع سيَسعد بلُقياكم في دورة ماليزيا القادمة بإذن الله تعالى.
وقد كان الفقيد -رحمه الله- من الرعيل الأول للأعضاء المؤسسين في مجلس المجمع، وعضوه المنتدَب عن الجمهورية اليمنية منذ 19 نوفمبر لعام 1984م، ولم يتخلّف قَطُّ عن المشاركة في دورات المجمع منذ تأسيسه، وأسهَم بإسهامات علمية رصينة تجاوزت خمسة عشر بحثًا، وكانت مشاركاته في المناقشات عميقةً ومركَّزة، اتَّسَمتْ بالدِّقّة العلمية، وربْط الأحكام والنوازل بواقع الناس وأحوالهم، مع التأكيد الدائم على مراعاة تغيّر الزمان والمكان عند صياغة القرارات والتوصيات.
كما كان -رحمه الله- من كبار علماء الشافعية باليمن، مُلِمًّا بأصول المذهب الزَّيْديّ باليمن، جامعًا بين رسوخ العلم، وسعة الأُفق، وحُسن الخُلق. وقد تقلّد خلال مَسيرته مناصب رفيعة في بلده، مِن أبرزها: رئاسته السابقة للمحكمة العليا بمحافظة شَبْوَة، وتولّيه سابقًا منصب وكيل وزارة الأوقاف والإرشاد بالجمهورية اليمنية، فأدّى الأمانة، وقام بالواجب، وكان مثالًا للقاضي العادل، والعالِم العامل.
وإذْ يَنعَى المجمع هذا العلَم الجليل من أعلامه، فإنه يستحضر بامتنان جهود الفقيد المخلصة في خدمة الفقه الإسلامي، وإسهامه الصادق في صياغة وإنضاج قرارات المجمع وتوصياته التي أصبحت -بفضل الله وتوفيقه- مرجعًا معتمَدًا للدول الإسلامية، والمجتمعات المسلمة، والمؤسّسات، والأفراد داخل العالم الإسلامي وخارجه.
كما يقدِّم المجمع رئاسةً، وأمانةً عامة، وأعضاءً وخبراءَ، ومنسُوبين، خالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريمة، وإلى علماء اليمن، ومحبّيه وطلّابه، سائلين المولى -جلَّ في عُلاه- أن يتغمّده بواسع رحمته، ويغفر له، ويعفو عنه، ويُسكنه فسيح جنّاته، ويحشُره ومَن سبَقه من أعلام المجمع الأخيار، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقًا، ويُلهم أهلَه وذَوِيه الصبرَ والسُّلوان والرضا بقضائه وقدره.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
أ. د. قطب مصطفى سانو
الأمين العام
اقرأ ايضا
آخر الأخبار










