
أكد رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، إمام وخطيب المسجد الحرام، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد، أن الشريعة الإسلامية أقامت حياة الناس على ميزان العدل، وربطَت صلاح المجتمعات بصلاح الأُسرة، وجعلتْ حفظ الإنسان وكرامته وحقوقه من المقاصد الكبرى التي جاءت الشريعة بتحقيقها وصيانتها.
جاء ذلك خلال الندوة الدولية التي نظّمها مجمع الفقه الإسلامي الدولي، بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، اليوم الاثنين 7 من شهر سبتمبر 2026م في مدينة جدة، بعنوان “دور القيادات الدينية في مواجهة العنف ضد المرأة”.
وأوضح الدكتور صالح بن حميد أن الحديث عن العنف ضد المرأة ينبغي أن يتم تناوله في ضوء أصول الشريعة الإسلامية وميزان الوحي، بما يميّز بين الظلم الذي حرَّمه الله، وبين الأحكام الشرعية التي أقيمت على الحكمة والمصلحة والعدل، مبيِّنًا أن القرآن الكريم شدَّد في النهْي عن مُضارَّة النساء والاعتداء عليهن.
وأشار إلى أن الإسلام لمْ ينظُر إلى المرأة بوصفها كائنًا مجردًا من الحقوق، وإنما جعل رعايتها والقيام بحقوقها من أبواب التقوى، وحذَّر من الاستقواء عليها لضعفها، مستشهدًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم إني أُحرِّج حقَّ الضعيفَين: اليتيم، والمرأة”، وبقوله عليه الصلاة والسلام في حجّة الوداع: “اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذْتُموهنّ بأمان الله، واستحلَلْتُم فُروجَهُنّ بكلمة الله”.
وشدَّد رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي على أن المرأة في الأسرة المسلمة ليست متاعًا يُستباح، أو حقًّا يُهدَر، وإنما هي أمانة ومسؤولية وعهْد بين الزوجين، وميثاقٌ غليظٌ يحكُمه عقدُ الزواج، مؤكدًا أن كلَّ إيذاء بدَنِيٍّ بغير حق، أو سَبٍّ أو إهانة، أو ظُلمٍ ماليّ، أو حَبْسٍ تعسُّفيّ، أو اعتداء على حقّ ثابت، هو ظُلم محرَّم لا يجوز نِسبتُه إلى الإسلام أو اتخاذ أحكام الشريعة ذريعة لممارسته.
ولَفَت إلى أهمية تصحيح المفاهيم التي اختلطَت في الخطاب المعاصر بشأن العنف ضد المرأة، خصوصًا عند نقل بعض المصطلحات والتعريفات من أُطُر واتفاقيات دولية، وإسقاطها على الأحكام الشرعية دون مراعاة اختلاف المرجعيات والأُسُس التي قامتْ عليها تلك التعريفات.
وقال: إن الإشكال ليس في محاربة العنف والظلم، وإنما في التوسُّع في مفهوم العنف ليشمل كل اختلاف في الأدوار أو الأحكام، أو اعتبار كل صورة من صور التمايُز المشروع بين الرجل والمرأة نوعًا من التمييز المحرَّم.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية لا تقوم على إلغاء الفروق الفطرية والوظيفية بين الرجل والمرأة، كما أنها لا تجعل الاختلاف في المسؤوليات دليلًا على التفاضُل في الكرامة الإنسانية، مبيِّنًا أن الرجال والنساء متساوُون في أصل التكليف والكرامة الإنسانية، فيما تختلف بعض الأحكام والوظائف تبعًا لِمَا تقتضيه الحكمة والتكوين والمسؤولية.
وأكّد معاليه أن القِوامة في الإسلام ليست تسلُّطًا، ولا تفويضًا للرجُل ليفعلَ ما يشاء، وإنما هي مسؤولية وقيام على شؤون الأسرة، مقرونةٌ بالنفقة والرعاية والحماية وتحمُّل التَّبِعات.
واستشهدَ بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، موضحًا أن القِوامة إذا تحوَّلَت إلى ظُلمٍ خَرجتْ عن حقيقتها الشرعية، وإذا تحوَّلَت المسؤولية إلى استبدادٍ فإنّ صاحبها يكون قد خان الأمانة التي كلَّفَه الله بها، ويحاسَب على ذلك قضاءً وديانة.
وبشأن ولاية النكاح، أوضح أن تصويرها على أنها إهدار لأهلية المرأة لا يستقيم مع حقيقة الشريعة، مبينًا أن الولاية شُرعت لصيانة الحقوق، ودفْع الضرر والاستغلال، مع تقرير حق المرأة في الرضا والاختيار، وعدم جواز إجبارها على مَن لا ترضاه.
كما أشار إلى أن ما شرَعه الإسلام من الحجاب والعفّة وصيانة الأعراض لا ينبغي النظر إليه بمَعزِل عن مقاصده وآثاره، ثم وصْفه بأنه تضيِيق على المرأة، موضحًا أن الشريعة حين تأمُر بالسَّتْر والعَفاف فإنها تصُون كرامةَ المرأة، وتحفظ المجتمع من أسباب الابتذال والاعتداء، وتأمُر في الوقت نفْسه بالحياء والاحتشام.
وتناول معاليه مسألةَ تأديب الزوجة عند النشوز، مؤكدًا أنها من المسائل التي لا يصحّ تناولها مبتورةً عن سِياقها القرآني والفقهي، أو جعلِها عنوانًا لإباحة العنف الأسري.
وأوضح أن القرآن الكريم لمْ يجعلْ ذلك طريقًا مفتوحًا للزوج، وإنما ذَكَره في سياق علاج حالة مخصوصة هي النشوز، ورتَّب العلاج ترتيبًا متدرِّجًا، مشيرًا إلى ما جاءت به السُّنة والفقه الإسلامي من قيود تحُولُ دون أن تتحوَّل هذه المرحلة إلى اعتداء أو انتقام.
وأشار إلى أن السُّنة النبوية نَهَتْ عن الضرب المُبَرِّح، وضربِ الوجه والمواضع التي يُخشى منها الضرر، مبينًا أن المقصود ليس الإيذاء والإيلام، وإنما إظهار عدم الرضا في إطارٍ استثنائي شديد الضيق.
وأكد أن كمال الهَديِ النبوي لا يتمثّل في استعمال هذا التدبير، وإنما في الاستغناء عنه متى أمْكنَ، وإحسان العشرة والصبر والحِلم وحُسن المعالَجة، مستشهدًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ”لا تضْرِبوا إمَاءَ الله”، وقوله: “ليْسَ أولئكَ بخيارِكم”.
واستحضر شهادةَ أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في وصف هَدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، بقولها: “ما ضَربَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قَطُّ بيده، ولا امرأةً، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله”، مؤكدًا أن هذا هو الميزان الذي ينبغي أن تُقرأ به النصوصُ، بعيدًا عن الاقتطاع والتهويل، وعن التساهل في الظلم أو تحميل الشريعة ما لا تحتمل.
وأكد أن الإسلام حين دعا إلى الحياة الزوجية لم يجعلها ميدانًا للصراع، وإنما جعلها سكنًا ورحمة ومودَّة، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وقوله سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
وأوضح أن المعاشرة بالمعروف ليست مجرّد كلمة، وإنما هي خُلق وسلوك وصبر ومُروءة، لافتًا إلى أن السنة النبوية أرشدتْ إلى الرفق، وحُسن التعامل، وفهم الطبيعة البشرية، ودعتْ إلى استمالة النفوس، وتأليف القلوب، والصبر على ما يكون من طبائع الناس.
وأشار إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل مِعيار الخيرية داخل البيت، فقال: “خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي”، مؤكدًا أن الإنسان قد يُحسِن التعامل مع الناس خارج بيته؛ لكن الامتحان الحقيقي للأخلاق يظهر داخل الأسرة، حيث لا تكلُّف ولا تصنُّع.
وشدَّد على أن البيت في الشريعة الإسلامية ليس ساحة لإثبات القوّة، وإنما مَوْطن للسكن، ومَحلٌّ للرحمة، وميدان للأخلاق، مؤكدًا أن معيار القوة ليس القدرة على الإيذاء، وإنما القدرة على ضبْط النفْس.
وأكد معاليه أن الشريعة الإسلامية بريئةٌ من كل ظُلم أو بغي يمارس باسمها، كما أنها بريئة من أن تُجعل أحكامُها الشرعية القَطعيّة ضحيّةً لمفاهيمَ مُستوردةٍ لا تراعي خصوصيةَ المرجعية الإسلامية.
وقال: “لا يجوز أن يكون الدفاع عن المرأة ذريعةً إلى هدم الأسرة، كما لا يجوز أن يكون الدفاع عن الأسرة ذريعةً إلى ظُلم المرأة”، مشدِّدًا على أنه لا يجوز مواجهة الظُّلم بظُلم، أو الانحراف بِانحراف.
ودعا إلى النظر في حقيقة موقف الإسلام من المرأة من خلال الوحي وهَدي النبي -صلى الله عليه وسلم- والمقاصد التي جاءت بها الشريعة، وليس من خلال أخطاء بعض المسلمين أو الممارسات الاجتماعية التي قد تخالف أحكام الإسلام، أو التصورات الوافدة التي تجعل كل اختلافٍ عن نموذج ثقافي مُعيَّن عُنفًا وتمْيِيزًا.
وشدَّد على أن للقيادات العلمية مسؤولية عظيمة في هذا المجال، ولا سيَّما في القضايا التي تختلِط فيها الأحكام الشرعية بالعادات الاجتماعية، وتتداخل فيها المرجعيات الدينية والثقافية والقانونية.
وأوضح أن المجتمعات بحاجة إلى صوتِ علميٍّ راسخ يجمَع بين قوة التأصيل وحُسن الخطاب، والمحافظة على ثوابت الشريعة والقدرة على التعامل مع المستجدات بوعيٍ وبصيرة، مشددًا على أن القيادة العلمية لا ينبغي أن تقِفَ موقف المتفرِّج أمام صُوَر الظلم التي تقَع في بعض البيوت، كما لا ينبغي أن تنْساقَ وراءَ كلِّ تعريف وافد لمجرَّد شُيوعه في الخطاب الدولي.
ولَفَتَ إلى أن من واجب القيادات العلمية ردّ المسائل إلى أصولها، والتمييز بين أحكام الشريعة والعادات والممارسات الخاطئة التي لا يُقرُّها الإسلام، مؤكدًا أهمية تحرير المصطلحات؛ لأن كثيرًا من الإشكالات تبدأ من كلمة مُجمَلة، ثم تُبنَى عليها أحكام واسعة.
وأشار إلى أن من مسؤولية العلماء والمؤسسات العلمية بيان أن مواجهة العنف لا تكون بإدانة الشريعة، وإنما بالرجوع إليها؛ لأنها قرَّرتْ حُرمة الظلم، ونَهَتْ عن الضرر والضِّرار، وأمرَتْ بالمعاشرة بالمعروف، وحفِظَت للمرأة حقوقَها المالية والأسرية والإنسانية.
ودعا رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المؤسسات العلمية والجامعات وهيئات الإفتاء والمجامع الفقهية والخطباء والدعاة إلى الاضْطلاع بدور أكثر فاعلية في بناء الوعي الأسري الرشيد، وبيان الحقوق والواجبات، وتعليم المقبلين على الزواج، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم خطاب يسهم في حماية الأسرة من التفكُّك قبل وصول مشكلاتها إلى ساحات القضاء أو أبواب الإصلاح.
كما دعا القيادات العلمية إلى التعاون مع المؤسسات الاجتماعية والقضائية والتربوية في مواجهة صور العنف الحقيقي، والإسهام في بناء خطاب مشترك يحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها، ويحفظ في الوقت نفْسه للأسرة خصوصيتها ومرجعيتها الشرعية.
وأكد أن دور القيادات العلمية يتمثل في حماية الثوابت من التمييع، وحماية الناس من الظلم، والأسرة من التفكك، والخطاب الديني من الغلو والانغلاق، كما تحميه من الذَّوَبان والتبَعية.
وشدَّد على أن الأمَّة لا تحتاج في هذه القضية إلى معركة بين الرجُل والمرأة، أو إلى صراع بين الدين والحقوق، وإنما تحتاج إلى إعادة الأمور إلى نِصابها؛ فالإسلام لا يُقيم العلاقة بين الرجُل والمرأة على القهْر أو الصراع، وإنما على السكَن والمودّة والرحمة، ويجعل الحقوق والواجبات متكاملة، والمسؤوليات متوازنة، والعدل حاكمًا على الجميع.
وأكد أن مسؤولية القيادات العلمية لا تتمثل في الاختيار بين حماية المرأة وحماية الأسرة؛ لأن حماية المرأة من الظلم هي من حماية الأسرة، وحماية الأسرة من التفكك هي من حماية المرأة، وكلاهما من مقاصد الشريعة، ومصالح المجتمع.
واختتم معاليه بالتأكيد على أن اضْطلاع القيادات العلمية بهذا الدور بوعي وحكمة من شأنه أن ينقل الخطاب من ردود الأفعال إلى صناعة الوعي، ومن معالجة النتائج إلى الوقاية من الأسباب، ومن الجدل حول المصطلحات إلى بناء الإنسان والأسرة والمجتمع على هدي الوحي ومقاصد الشريعة، مؤكدًا أن ميزان الإسلام يقوم على كرامة الإنسان، والعدل في الحقوق، والرحمة في المعاملة، والمسؤولية في القِوامة، وتحريم الظلم والعدوان.
اقرأ ايضا
آخر الأخبار










