أنفلونزا الخنازير و قرار وزراء الصحة

ورد العديد من الأسئلة إلى المجمع بشأن قرار وزراء الصحة بمنع المرضى وكبار السن والأطفال من الحج والعمرة بسبب مرض أنفلونزا الخنازير، وذلك من بعض الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزة، وقد أجاب معالي أمين عام المجمع الأستاذ الدكتور عبدالسلام داود العبادي عليها بإجابات متقاربة، نختار منها هذه الإجابة لما فيها من فائدة:

 

لقد أقام الإسلام تعامله مع شؤون الحياة المتعددة على منهج واضح بيّن يحرص على تحقيق مصالح الناس وخيرهم وسعادتهم بوسطية واعتدال، وبعيداً عن الإفراط أو التفريط. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(الأنبياء:107)، وقال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل:89).

وقد بيّن العلماء أن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فكل ما يتضمن حفظ أصل من هذه الأصول فهو مصلحة مطلوبة شرعاً، وكل ما يفوتها مفسدة مرفوضة شرعاً.

والذي يحدد ذلك في قواعد الشريعة أهل المعرفة والاختصاص في كل حقل أو جانب من جوانب الحياة بحسبه.. ومن هنا نبه العلماء إلى أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومطلوب من الفقهاء الناظرين في واقع الحياة ومجرياتها أن يتصوروا تصوراً صحيحاً الأمر المطلوب بيان رأي الشريعة فيه، ذلك أنه ما من أمر من أمور الحياة إلا وللشريعة فيه حكم باعتبار عموم الشريعة الإسلامية وشمولها، ووفق القواعد المقررة في الشريعة للاجتهاد في القضايا الحادثة والمشكلات المستجدة، مما بينته علوم الشريعة الإسلامية في الفقه والأصول، وهو ما لا يتسع المجال لتفصيل القول فيه، وعلى ذلك يكون الطلب أو النهي الشرعي فيما يتعلق بحياة الإنسان، وما يمكن أن يتعرض إليه من أمراض وأخطار، وكيفيات التعامل معها مقرر في الشريعة على ضوء ما يبينه الأطباء المختصون، وهذا يسجله بكل وضوح قوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(النحل:43)، والدعوة إلى التداوي والأخذ بالأسباب في العلاج وطلب الشفاء. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم: «تداووا عباد الله فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم». ولا يجوز للعالِِم الشرعي أن يتقوّل في هذا المجال، إنما عليه أن يعتمد على ما يقرره الأطباء المختصون دون غيرهم. ومن هنا جاء الاعتبار الشرعي لقرارات وزراء الصحة باعتبارهم الجهة المعنية بهذا الشأن، شريطة أن تكون قراراتهم قائمة على المعرفة العلمية السلمية بحسب القواعد المعتمدة في هذا الشأن.

وقد أوضحوا في قراراتهم أن استبعاد كبار السن والأطفال والمرضى وفق ما حددوه من ترتيبات الحج والعمرة هو لمظنة تعرضهم للخطر أكثر من غيرهم ومن باب الحيطة والحذر والأخذ بالأسباب الظاهرة، ولكنهم لا يقطعون بشأن هذه الحالات أنها سوف تتعرض للخطر وحدها دون غيرها، ولا يقطعون أيضاً أن غيرها لا يمكن أن يتعرض للخطر. فالقرار بُني على غلبة الظن، وسبب الموت على القطع كما هو معلوم شرعاً هو انتهاء الأجل والأمراض مناسبات لذلك فحسب كما يدل على ذلك الاستقراء والواقع، وبذا يظهر أن على العالِم الشرعي احترام القرار الطبي السليم بهذا الخصوص.

وفي هذا جواب للأسئلة الواردة بهذا الخصوص. فالمنع قائم على الاحتياط والأخذ بغلبة الظن، وإلا فإن العلاج قد يحقق هدفه حتى مع كبار السن. وهذا منهج إسلامي معتمد في التعامل مع المرض الوبائي. فقد ورد في الحديث الصحيح عند البخاري وغيره: “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها”. فهو حديث يضع قواعد الحجر الصحي في الإسلام القائمة على الاحتياط والمنع لغلبة الظن.

والمناقشة في هذا الشأن يجب أن تكون أساسها المعرفة الطبية والدراية بأبعاد هذا الموضوع وهي توجه لأهل المعرفة والاختصاص والمسؤولية في هذا الشأن دون غيرهم، وهم الأطباء والمسؤولون عن الشأن الصحي في بلاد المسلمين، فهم أهل الذكر في هذا المجال، وعليهم أن يبذلوا وسعهم في تحري مصلحة المسلمين في شأن أدائهم لشعائرهم وعباداتهم ومحافظتهم على حياتهم ومصالحهم الشرعية المعتبرة، ومن ذلك، بالإضافة لما اتخذوا من قرارات طبية، إمكانية التمييز بين أداء الحج فريضة وأدائه تطوعاً وأكثر من مرة للحد من الازدحام في الحج.

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي

اقرأ ايضا

آخر الأخبار

اذهب إلى الأعلى